أرشيف شهر يناير, 2008

مدينة الفضيلة . . !

مدينة الفضيلة . . !غيمة تَسَاقطُ على عيني
تحجب الرؤية عني
مشاعري في حاجة إلى الهروب
من خلف جدران الصمت
هذا اللسان الرابض بين لحم فمي
وخلف عِظام أسناني
أشعره كتلة من الهم
أراه جحيمي الذي لا يُريد أن يخمد أبدًا
أشعره الطبيب العاجز عن مداواتي
فلا هو طلب النجاة بكلمة
ولا هو أسرع بكتم أنفاسي بابتلاعه
مالي أرى روحي
أصبحت غريبة بين أنحاء الجسد
ترى أعضائي ولا تُلقي السلام
شاحبٌ وجهها البرئ
ضاع أملها بعد أن عبثت به أعاصير اليأس
ثمة أشياء في حاجة إلى عناية
الروح على رأسها
ثمة أفراح في حاجة إلى الرتقِ
مفقودة هي بين أشيائي الكثيرة
جسد المدينة مثلي أضحى عاريًا
أو هكذا أنا أراه
والكل يرى الأشياء بعين طبعه!
أشجاري كثيفة الأوراق
لا تستطيع حماية طيوري الصغيرة
من زمهرير شتائي الذي لا شمس فيه
وليلي الذي لا أراه إلا قطعة من الظلام
تسقط عنوة فوق ظلامي
لم يعد يحمل بين يديه من أجلي جديدًا
رباه إلا المزيد من الإيمان
بأن بزوغ الفجر أضحى حُلمًا مُستحيلاً
قيود الهم عانقتني وعانقتها
صرنا من شدة العناق مُلتصقين
يخاف أحدنا غياب الآخر
ويا لها من حياة نبيلة تلك
التي تجعل خوفك ملاذك
وهمك البيت الذي تخاف مُغادرته
بين تخبطي وبين هدايتي
خطوة واحدة
تحتاج مني و من حولي
لحظة من الصدق
نُعيد خلالها ترتيب الأوراق
نُعيد بناء مدينة أكلها الغُبار
واحتلتها العناكب والثعابين
مدينة كانت تُدعى ذات يوم
مدينة الفضيلة .

4 تعليقاً

كلام في الحداثة (3)

قبل أن أقوم بعرض الآراء التي تناولت مفهوم الحداثة
سواء من المؤيدين أو المُعارضين
أقوم بنقل هذا الجزء من مقال أظنه يدعم ما رميت إليه في ردي السابق
حيثُ أرى أن الحداثة وإن كانت تُناسب أوروبا
والظُلم الذي عاش فيه العلم بسبب الكنيسة فهي لا تُناسب الإسلام
لأنها لم تُبنَ في الأصل إلا لتوفير شيء كان الإسلام يوفره حينها
فذكر الكاتب في مقاله ما يلى :-


لقد سجل المثقفون الجدد, الحداثيون في القرن الثاني عشر الميلادي, شكاواهم من الاختناق الذي كان يسود البلاد المسيحية بسبب اضطهاد رجال الكنيسة للمفكرين الأحرار مما جعلهم يفكرون في الرحيل إلى أرض العرب, حيث الحرية الفكرية مكفولة. يقول “بيير أبيلار” (مولود عام 1079) -والذي يصفه المؤرخ الفرنسي “جاك لوكوف” بأنه أكبر مثقف حداثي من بين حداثيي القرن الثاني عشر- معبراً عما كان يعانيه هؤلاء المثقفون في أوروبا من اضطهاد ومضايقات، يقول: “الله يعلم كم مرة فكرت, تحت ضغط يأس عميق, في الرحيل عن الأرض المسيحية والعبور نحو الوثنيين (=المسلمين-كذا) للعيش هناك في سلام, دافعاً الجزية لأعيش مسيحياً بين أعداء المسيح”!
(1)

مفهوم الحداثة

قبل أن نخوض في مفهوم الحداثة الاصطلاحي ، نرى من المفيد أن نعرج على مضمونها اللغوي ، فهي مصدر من الفعل ” حَدَثَ ” ، وتعني نقيض القديم ، والحداثة أول الأمر وابتداؤه ، وهي الشباب وأول العمر .

وبهذا المفهوم اللغوي سطعت شمس الحداثة في عالمنا العربي المعاصر ، وتوافقت مع ما يحمل عصرنا من عقد نفسية ، وقلق ذاتي من القديم الموروث ، ومحاولة الثورة عليه ، والتخلص منه ، والبحث عن كل ما هو جديد يتوافق وروح عصر التطور العلمي والمادي ، ويواكب الايدولوجيات الوافد على عالمنا العربي .

أما ما تعنيه الحداثة اصطلاحا فهي : ” اتجاه فكري أشد خطورة من الليبرالية والعلمانية والماركسية ، وكل ما عرفته البشرية من مذاهب واتجاهات هدامة ، ذلك أنها تضمن كل هذه المذاهب الفكرية ، وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني ، والنقد الأدبي ، ولكنها تخص الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على حد سواء ” ، وهي بهذا المفهوم الاصطلاحي

” اتجاه جديد يشكل ثورة كاملة على كل ما كان وما هو كائن في المجتمع ” . الحداثة في الأدب المعاصر ـ هل انفض سامرها ، د . محمد مصطفى هدارة ، مجلة الحرس الوطني ربيع الآخر 1410 هـ .
ويقول أحد الباحثين في معرض حديثه عن الحداثة كمنهج فكري يسعى لتغيير الحياة ” إن من دعاوى أهل الحداثة أن الأدب يجب أن ينظر إليه من الناحية الشكلية والفنية فقط بغض النظر عما يدعوا إليه ذلك الأدب من أفكار ، وينادي به من مبادئ وعقائد وأخلاق ، فما دام النص الأدبي عندهم جميلا من الناحية الفنية ، فلا يضير أن يدعو للإلحاد أو الزنا أو اللواط أو الخمريات أو غير ذلك ” عوض القرني ، الحداثة في ميزان الإسلام ص 47 .

ويقول د . عدنان النحوي في كتابه الحداثة من منظور إسلامي ص 13 : ” لم تعد لفظة الحداثة في واقعنا اليوم تدل على المعنى اللغوي لها ولم تعد تحمل في حقيقتها طلاوة التجديد ، ولا سلامة الرغبة ، إنها أصبحت رمزا لفكر جديد ، نجد تعريفة في كتابات دعاتها وكتبهم فالحداثة تدل اليوم على مذهب فكري جديد يحمل جذوره وأصوله من الغرب ، بعيدا عن حياة المسلمين ن بعيدا عن حقيقة دينهم ، ونهج حياتهم ، وظلال الإيمان والخشوع للخالق الرحمن ” .

فالحداثة إذن من منظور إسلامي عند كثير من الدعاة تتنافى مع ديننا وأخلاقنا الإسلامية ، وهي معول هدم جاءت لتقضي على كل ما هو إسلامي دينا ولغة وأدبا وتراثا ، وتروج لأفكار ومذاهب هدامة ، بل هي أخطر تلك المذاهب الفكرية ، وأشدها فتكا بقيم المجتمع العربي الإسلامية ومحاولة القضاء عليه والتخلص منه ، وإحلال مجتمع فكري عربي محله يعكس ما في هذه المجتمعات الغربية من حقد وحنق على العالم الإسلامي ، ويروجون بكل اهتمام وجديه من خلال دعاتها ممن يدعون العروبة لهذه المعتقدات والقيم الخبيثة بغرض قتل روح الإسلام ولغته وتراثه .

وتقول الكاتبة سهيلة زين العابدين في مقالة نشرت لها في جريدة الندوة السعودية الغدد 8424 في 14 / 3 / 1407 هـ ص 7 : ” الحداثة من أخطر قضايا الشعر العربي المعاصر لأنها أعلنت الثورة والتمرد على كل ما هو ديني وإسلامي وأخلاقي ، فهي ثورة على الدين على التاريخ على الماضي على التراث على اللغة على الأخلاق ، واتخذت من الثورة على الشكل التقليدي للقصيدة الشعرية العربية بروازا تبروز به هذه الصورة الثورية الملحدة ” .

ويذكر د . محمد خضر عريف في معرض حديثه عن الحداثة وتعليقه على بعض الدراسات التي صدرت حولها من غير مفكريها وروادها في الوطن العربي في كتابه الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة ص 11 و 12 قائلا : ” إننا بصدد فكر هدام يتهدد أمتنا وتراثنا وعقيدتنا وعلمنا وعلومنا وقيمنا ، وكل شيء في حاضرنا وماضينا ومستقبلنا ” ، ويفرق الدكتور / خضر عريف في كتابة الحداثة مناقشة هادئة لقضية ساخنة بين مصطلح الحداثة والتجديد والمعاصر فيقول : ” والذي يدفع إلى ذلك الظن الخاطئ هو الخلط بين مصطلح الحداثة ( modernism ) ، والمعاصرة ( modernity ) ، والتحديث ( modernization ) وجميع تلك المصطلحات كثيرا ما تترجم إلى ” الحداثة ” على الرغم من اختلافها شكلا ومضمونا وفلسفة وممارسة . والواقع أن الاتجاه الفكري السليم يتفق مع التحديث ، ولكنه لا يتفق مع الحداثة . وإن يكن مصطلحا modernity و modernization يمكن الجمع بينهما ليعنيا المعاصرة أو التجديد ، فإن مصطلح modernism يختلف عنهما تماما . إذ ينبغي أن نفرق بين مصطلحين أجنبيين ، من المؤسف أن كليهما يترجم ترجمة واحدة وهي ( الحداثة ) أما المصطلح الأول فهو : modernity الذي يعني إحداث تجديد وتغيير في المفاهيم السائدة المتراكمة عبر الأجيال نتيجة وجود تغيير اجتماعي أو فكري أحدثه اختلاف الزمن .

أما الاصطلاح الثاني فهو modernism ويعني مذهبا أدبيا ، بل نظرية فكرية لا تستهدف الحركة الإبداعية وحدها ، بل تدعو إلى التمرد على الواقع بكل جوانبه السياسية والاجتماعية والاقتصادية . . . وهو المصطلح الذي انتقل إلى أدبنا العربي الحديث ، وليس مصطلح modernity الذي يحسن أن نسميه المعاصرة ، لأنه يعني التجديد بوجه عام دون الارتباط بنظرية ترتبط بمفاهيم وفلسفات متداخلة متشابكة . *

ونحن في تعريفنا لمفهوم الحداثة لا نريد أن نتوقف عند ما قال به خصومها ، ولكن لا بد أن نتعرف عليه مما قال به أصحابها ومفكروها وسدنتها أيضا . يقول على أحمد سعيد الملقب بأودنيس وهو من رواد الحداثة العربية ومفكريها رابطا بينها وبين الحرية الماسونية : ” إن الإنسان حين يحرق المحرم يتساوى بالله ” . ثم يتنامى المفهوم الماسوني لكلمة الحرية إلى صيغته التطبيقية الكاملة في قوله ” : إن التساوي بالله يقود إلى نفيه وقتله ، فهذا التساوي يتضمن رفض العالم كما هو ، أو كما نظمه الله والرفض هنا يقف عند حدود هدمه ، ولا يتجاوزها إلى إعادة بنائه ، ومن هنا كان بناء عالم جديد يقتضي قتل الله نفسه مبدأ العالم القديم ، وبتعبير آخر لا يمكن الارتفاع إلى مستوى الله إلا بأن يهدم صورة العالم الراهن وقتل الله نفسه ” محاضرة الحداثة والتراث د . محمد هدارة .

وقد عرف رولان بارت الحداثة بأنها انفجار معرفي لم يتوصل الإنسان المعاصر إلى السيطرة عليه فيقول : ” في الحداثة تنفجر الطاقات الكامنة ، وتتحرر شهوات الإبداع في الثورة المعرفية مولدة في سرعة مذهلة ، وكثافة مدهشة أفكارا جديدة ، وأشكالا غير مألوفة ، وتكوينات غريبة ، وأقنعة عجيبة ، فيقف بعض الناس منبهرا بها ، ويقف بعضهم الآخر خائفا منها ، هذا الطوفان المعرفي يولد خصوبة لا مثيل لها ، ولكنه يغرق أيضا “ محاضرة الحداثة والتراث د . محمد هدارة .

ويتابع الدكتور هدارة قائلا : كما يصفها بعض الباحثين الغربيين ” بأنها زلزلة حضارية عنيفة ، وانقلاب ثقافي شامل ، وأنها جعلت الإنسان الغربي يشك في حضارته بأكملها ، ويرفض حتى أرسخ معتقداته الموروثة ” . (2)

وللحديثِ بقية

(1) مقال (الموروث العربي الإسلامي كمرجعية للحداثة في أوروبا)
الكاتب / د محمد عابد الجابري

(2) إعدادالدكتور / مسعد محمد زياد

*أتمنى التركيز على هذه النُقطة

2 تعليقاً

كلام في الحداثة (2)

ولما كان التأثر بوجهة نظر مُعينة
مدعاة للدفاع عنها وعدم الاقتناع بما يُخالفها كان البحثُ عن حقيقة هذا المُصطلح ضرورة مُلحة
لأجل الوقوف على جوانبه الإيجابية و السلبية ومن ثم
تحديد موقف تجاهه

فماذا عن مفهوم الحداثة ؟


كان عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين قد عرّف الحداثة على النحو التالي: إنها تعني انتصار العقل وإحلال العلم محل اللاهوت المسيحي، داخل المجتمعات الاوروبية. فالعقل هو الذي يوجه العلم وتطبيقاته على ارض الواقع. وهو الذي ينظم المجتمع بطريقة مناسبة لإشباع حاجيات افراده وإسعادهم. وهو الذي يحلّ دولة القانون والمؤسسات محل دولة الاعتباط والامتيازات والرشاوى والمحسوبيات. وجوهر الحداثة الحرية: أي حرية التفكير والتعبير واستقلالية الضمير البشري بالقياس الى كل العقائد الدوغماتية المفروضة عليك من فوق، غصبا عنك وبدون أي نقاش
. (1)

اذا كان لا يشبعنا تعريف آلان تورين للحداثة، فلماذا لا ننتقل الى فيلسوفها الاكبر في هذا العصر: يورغين هابرماس؟ يقول هذا المفكر الموسوعي، الذي يعتبره البعض بمثابة هيغل او كانط جديد، ما يلي: الحداثة تعني تفكيك التصورات الأصولية للعالم وحلول التصورات العلمية والفلسفية محلها. (2)

وبعد هذه التعريفات ذكر الكاتب لقطة ما

انها تعني انتصار العلم والعقل على النقل والتراث المتراكم الجبار. ولكن هذا التفكيك التحريري الكبير ـ والمرعب ايضا ـ لم يحصل حتى الآن إلا في اوروبا. والسؤال المطروح هو التالي: لماذا انتصرت العقلانية في اوروبا والغرب المتقدم عموما فقط، ولم تنتصر حتى الآن في أي نطاق ثقافي آخر؟ هذا السؤال يحرج الكثيرين في الصين والهند وروسيا والعالم العربي الاسلامي بالطبع، بل حتى اليابان. لماذا؟ لأن انتصار الحداثة في بلاد الأباطرة كان على صعيد التقدم التكنولوجي والمردودية الاقتصادية وليس على صعيد الفكر العميق وزعزعة اليقينات التراثية. وأخيرا سوف اقول منعا لكل التباس: اني لا افهم الحداثة كنقيض للدين في المطلق، وانما كنقيض للمفهوم الظلامي، الاستبدادي، الطائفي للدين. اقول ذلك وأنا اعلم ان الحرية الدينية، أي حرية الضمير والمعتقد، ليست متوافرة إلا في المجتمعات التي انتصرت فيها الحداثة وترسخت. ولكن هذا الانتصار لن يتحقق عندنا قبل عشرات السنين . (3)

وبعد التعريف الأول للحداثة يتضح أن أساسها يكمن في الحكم على كل شيء بالعقل فقط وتؤيد انتصار العقل وأرى الكلام واضحًا ويشرح نفسه وعندما يقال أن جوهر الحداثة هي الحُرية
لابد وأن يصعد إلى الذهن مُباشرة سؤال هام
وما هي الحُرية في عرفهم وما هي الحُرية في شرعنا ؟
الأكيد أن الحُرية المُطلقة هي محض كذبة فلا وجود لحُرية مُطلقة في ظل وجود قواعد تُنظم هذه الحياة فباستبعاد الشرع والنظر إلى القوانين البشرية الصُنع سنجد أنها تُمثل قيدًا لحرية الإنسان فلو ترك الحبل على الغارب لفسدت الأرض
ولكن الكاتب وضح معنى ما ذكر في الأخير فقال

(واستقلالية الضمير البشري بالقياس الى كل العقائد الدوغماتية المفروضة عليك من فوق، غصبا عنك وبدون أي نقاش)

وهذا لا يدع مجالاً للشك أن الحُرية لدى هذا المبدأ تتضمن الخروج عن مبادئ الشرع لديهم ومن ثم لدى أي مُتبع لذات المنهج دون فهم له
وبالنسبة لوجهة نظر الكاتب فأرى أن تبريره لعدم انتصار الحداثة إلا في أوروبا قد جانبه الصواب حيث أنه ربط استخدامهم لمفهوم الحداثة وتطبيقهم لنظريات الفكر الحُداثي بصعيد التكنولوجيا والتقدم ونسي أو تناسى التعريف السابق لها
والذي يدعو إلى الإيمان بالعلم والعقل إيمانًا تامًا وإلى تفكيك الأصول واستبدالها بالفلسفات
وهذا الكلام إذا كان مقبولاً في أوروبا للعلم بما عاشت أوروبا فيه من الظلام بسبب تعنت الكنيسة وسيطرتها ووقوفها في وجه العلم كثيرًا أمام علماء كغاليليو أو كوبرنيكوس
فهو غير مقبول لدى غيرها على الإطلاق وخصوصًا لدى الدين الإسلامي والذي يدعو إلى طلب العلم و مواكبة التطورات ولكن ليس ذنب الإسلام أن مُطبقي ما فيه من الخير قليل .

وللحديثِ بقية

(1)،(2)،(3) نقلاً عن موقع جريدة الشرق الأوسط ، الكاتب / هاشم صالح

أترك تعليقا

كلام في الحداثة (1)

كلام في الحداثة . . !

الإناء الفارغ قد يُملأ بأي شيء كان لأنه فارغ لا شيء يملأ فراغه ولكن إذا كان الإناء مُمتلئًا فلن يُمكننا أن نملأ المُمتلئ حينها إلا بتفريغه أولاً
فإذا كان ما به الماء مثلاً فمن السهل أن نسكبه ونضع مكانه ما نُريد ولكن ماذا لو كان صمغٌ مُتصلبًا بالإناء
أظن الأمر سيكون صعبًا جدًا
فتفريغ الإناء من الصمغ القوي المُتصلب سيتطلب جهدًا كبيرًا ولا يضمن الجهد أن يعود الإناء نظيفًا كما كان في أول مرة أبدًا .

هكذا هي عقولنا مثل ذلك الإناء
نحن نولد ولا شيء يملأ عقولنا ولا نعرف أي شيء عن أي شيء فيملأ المحيطون بنا هذا الإناء بما لديهم
من المُعتقد و الفكر والقيم
فإذا كان الفكر صحيحًا كان كالصمغ من الصعب بحال
أن يتم تغييره أو تبديله ولكن إذا كان الفكر خاطئًا فهو كالماء الذي يُمكن للإنسان أن يسكبه في أي لحظة ليملأ العقل من جديد بفكر سليم .

المُشكلة هُنا تكمن في الدراية بالسليم والفاسد
فالسليم في مُعتقد ما قد يكون فاسدًا في مُعتقدٍ آخر
والعكس وعليه فبناء على معتقد كل إنسان يمكن تحديد
أي الأفكار كالماء وأيُها كالصمغ الصلب
بالنسبة لسلامتها أو فسادها من وجهة نظره
التي لا تكونها إلا تجاربه وخبراته السابقة
وما لديه من الخلفية الدينية والثقافية و الأعراف الاجتماعية و الظروف التي نشأ فيها والمبادئ التي تربى عليها وبناء عليه فالمذاهب أو المناهج الصالحة لعلاج آفة مُجتمع ما ليست بالضرورة مُفيدة لمُجتمع آخر بل قد تكون مُفسدة لأنها تدعو إلى شر بالنسبة له
وهنا تكون للجهل كلمة عُليا .

ولا شك أن الجهل بأمر ما يساوي فراغ العقل منه
مما يعني وجود مساحة غير مُستغلة على أتم الاستعداد لأن تُملأ بما يُشبع رغبتها من المعرفة والدراية بهذا الأمر
فإذا كان المُستقبلُ من المعرفة سليمًا
فلا مُشكلة
ولكن إذا كان المُستقبل منها فاسدًا فهنا يكمن الخطر العظيم حيثُ ستُطبع هذه المعرفة في ذهن المُتلقي وسيكون من الصعب إقناعه بسوء ما يعتنق
وتزداد الصعوبة بزيادة المدى الزمني الذي اعتنق
فيه هذا الفكر الخاطئ أو المُعتقد الغير سليم
فكما قرأت في مقولة إعلانية نصت على أن
(الانطباعات الأولى تدوم)
وإن كان الإيمان بها على الإطلاق قد يجانبه الصواب
فإذا سبقت الكلمة تدوم الكلمة غالبًا لتكون
(الانطباعات الأولى غالبًا تدوم)
كان الأمر مقبولاً أكثر
حيثُ أن الواقع يعترف بأن بعض الانطباعات الأولى لا تدوم لظهور ما يُخالف المعنى الذي حملته في البداية.

أعلم أن الإطالة قد نالت من حرفي فيما سقط بالأعلى
ولكنها مُقدمة لم أكن لأبدأ حديثي دون تناولها
حيثُ سادت العقول الفارغة والممتلئة بالأخطاء
وهي في الغالب لا تعلم أنها أخطاء وكما أخبرتني الكاتبة (سلمى زيادة) ذات حديث بيننا أن بريق المُفردة يُغري
وأضيف أن غرابة الأسلوب أيضًا تُغري واختلاف السياق عن المألوف يُغري واستخدام الغريب من الألفاظ والتراكيب يُغري والتمكن من البلاغة واللغة يُغري
ولكن علاما يُغري ؟
أيُغري على تفريغ العقول مما بها من المُعتقد لأجل إظهار العبقرية اللغوية أو البلاغية ؟ أيُغري على التطاول على مُفردات العبادة وإلحاقها بنصوص تنبعث منها روائح كريهة لأفكار مريضة ؟ أم يُغري على اختيار الطريق الخطأ لنسير فيه دون خوف رغم العتمة المُنتشرة والتي أساسها البعد عن سراج الدين ؟
أم يُغري على أن يحتج أحدهم بأية من كتاب الله تعالى ليرد عليه آخر بأن حل المسألة يوجد في كُتب كذا وكذا التي ألفها بشر يُخطئ ؟
في الواقع لم أجدْ لما بالأعلى من أسئلة إجابات شافية
ولكن كلما تكلمت مع أحدهم قال إنها الحداثة
فتأكدت أن كل البلاء الذي نعيشه كقراء وكتاب ومُثقفين
يكمن في فهم خاطئ لمفردة ما أو جهل تام بها
يجعل بعضهم يرددها كلما ضاق عليه الخناق وكلما ظهر له حجم السواد الذي يُغلف أحرفه .

ولن أنكر أني وحتى عهد قريب كنت أحسب الحداثة
هي التجديد وكما قرأت فالمعنى اللغوي لها يدعم ما كنت أظن ولكن ماذا عن معناها الاصطلاحي ؟
دُفعت دفعًا للقراءة عن هذا المنهج أو المذهب لأجل الوقوف على أسباب الانقياد الغريب لمبادئه المُريبة
فظاهر الشيء يدل ولو دلالة جزئية على باطنه والظاهر كان مليئًا بما يؤكد أن لهذا الفكر أغراضًا و أن هذه الأغراض بعيدة عن إهتمامنا فمجهولة أو أنها معلومة ومفهومة بصورة لا تؤدي بالضرورة إلى مُعارضتها لوجود مُبررات تُبررها وعندما قرأت عنها زاد تأكدي أن الشيء إذا بُني على باطل كان باطلاً وكان تأييده مُصيبة .

وللحديثِ بقية

أترك تعليقا

صوت . . !

صوت . . ! ,

,


في المُقدمةِ حقيقة

باغت النفس
وقف أمام المرآة وانظر إليك
فإن عرفتك
فأنت / أنت
وإن لم تعرفك
فلا تبتئس واخلع قِناعك

وضاعت أمنية الصباح

الصباح ذو البياض العنيد
لا يُبالي بسماء مُكفهرة
أو دموع تشبه المطر
تبكيها السُحب
في ساعات الضجر
وتتنامى الآهات حتى تصل إليه
بصعوبة تجتاز العوائق والحدود
وأشواك الضجيج
فيسمعها معزوفة رضى
ولا يُبالي
الصباحُ أصبح مُخيفًا
جائر الأحكام
يسبح في الظنون
ليصنع للأماني أطواق الجحيم
وفي الأغلال يُلقي باليقين
كان الصباحُ هو الأمل
والأغنيات تفر من قيد الألم
والآن
يبحث كل فرد عن معان للحياة
يبحث عن ظلام
ليغرس الروح المُكبلة بالحنين
إلى الحنان
إلى الأمان
فتُثمر ومضة من فرح
مُفتقد ببلده منذ حين
فهل يُهذبه الظلام
أوار يأسي
فتحيا الآمال مرة أخرى
وترقد في برد وسلام

الرقص فوق الصفيح

تخيلتُ يومًا
هؤلاء القوم مُثيري القُبح
وزعمهم أن هذا القُبح
ما هو إلا جمال فريد
كهياكل عظيمة من حولنا
ترقص فوق الصفيح
الضجيج يكاد يقتلنا
وهم مستمرون في إصداره
وكأنه سيمفونية عذبة

فجر وحيد

واليقين يهدهد
أفكار العجوز الصغير
شطحت فكرة
وبعدت عن مدارات المناطق والعقول
كيف الحياة
إذا كانت بطولها وعرضها
يومًا
سيمر فيه الفجر مرة
فلا فجران يجتمعان
في يوم واحد أبدًا
وكان الفجر رغبة في الحياة
أتتركها تضيع ؟؟؟
بعد الغروب الليل
يأتي والرحيل
فهل حملت الزاد فوق العاتق
قبل مُغادرة الجميع ؟

وفي النهاية

لا تظن أن قواك لن تخور
سيأتي يوم عليك
تنظر فيه عن اليمين والشمال
تُنادي .. أحتاج إليكم
ولن يُجيبك حينها إلا الصدى
هذا
إذا ظل كريمًا
ولم يتخلق بمثل أخلاقهم
فقدم الخير تجده

,
,

مهدي سيد

6 تعليقاً

وقفات (2)

وقفات

(2)

من الجميل أن موقفًا يكون للشخص
تجاه الأمور المُختلفة
بغض النظر إن كان هذا الموقف على صواب
أو على خطأ
ولكن من غير الجميل
أن يكون الإنسان بأكثر من وجه
فتراه بين القوم الصالحين حينًا
يذكر مساوئ الفساد ويدعو لأهله بالهداية
ثُم وبعد لحظات معدودة
تراه بين القوم الفاسدين
يدعو على الصالحين بالخراب ساخطًا
هذا الإنسان
لا يُمكن أبدًا أن نثق به
فهو الآن معنا
ومن يعلم رُبما بعد الآن بلحظة
مع من يكرهنا ويكيل لنا الغل والحقد
فليتنا نوحد الوجهة لسبب بسيط
و هو أن أصحاب الوجهة الواحدة إن كانوا على صواب
يرون الخطأ فيتجنبونه
وإن كانوا على خطأ
فقد يرى بعضهم الصواب وإليه يلجأ .

أترك تعليقا

وقفات (1)

وقفات


(1 )
البلدان الصغيرة ليست دائمًا مُتخلفة
والعكس صحيح
فبلد كبير على سبيل المثل كالسودان
لا وجه لمقارنته أصلاً ببلد صغير كفرنسا
والصفة كبير
تعود على المساحة لا على المكانة
ففرنسا مثلاً إحدى الدول الصناعية الكُبرى وفي نطاق
الدول المتقدمة تجلس مستريحة
بينما السودان كدولة تُعتبر كسائر الدول العربية
دولة نامية بالمُصطلح المُزين ( ومُتخلفة ) بالمُصطلح الصريح
ما ضربتُ بالبلدان مثلاً لغرض سياسي أو ديني أو غيره
وإنما لغرض آخر بعيد
أساسه
المكان بمن فيه لا بمساحته
فمن فيه هم من يُحددون جيدًا هويته ويحددون موقعه
وتوجهه وأهدافه وأغراضه
وبالعمل والمُثابرة تُجنى الثمار
فمكان صغير به عقول تستطيع التفرقة ما بين الغث والثمين
هو أفضل عند الله
من مكان كبير بُني على باطل .. فكان خواءً
وجوده كعدمه
وفي الأخير .. كل خير في هذه الدنيا
ما هو إلا قلة وكل شرٍ ما هو إلا كثير
والله تعالى سيحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون .

أترك تعليقا

تصاميم

4 تعليقاً

أَتَذَكرُكِ


 

أَتَذَكرُكِ 

سأقفز وأنتِ في الوقت ذاته

نحو الفرحة ذاتها

أخبرتُكِ ذات رغبة في الشعور بالطفولة

قبل أن تنساب الأرقام

سريعة

واحد

اثنان

ثلاثة

لقد أمسكتُ بالفرح قبلكِ كالعادة

سأساومكِ عن ابتسامتكِ من جديد

وسأحصل على ما أريد

وسأصدق على لقبكِ الذي منحتيه إياي

( الساحر )

هكذا كان الحديثُ يُترجم مشاعرنا

ذات مساء  .

،

،

أتذكركِ

في غفلة من نسياني المُصطنع

  
وأحلمٌ بكِ دائمًا

رغم أن الحلم قد عاهدني

بألا يستعرض صورتك

ولكنه لم يستطع

أحاول أن أنصاع لأوامرهم

المُنهمرة فوق رأسي

كطنين نحلة مُزعجة

إلا أنني كلما اقتربت من نصائحهم بالبعدِ عنكِ

وجدتني أمامكِ

ولا أدري لهذا سببًا

إلا أنني ما زلتُ أعشقكِ جدًا

وأتمناكِ جدًا 

  ،

،

أتذكركِ

في غفلة من الحُزن

الذي أحاط بي

بعد غيابكِ

لعلني أستمد من ذكراكِ

طآقة لابتسامة

لم يعد لها في صفحة الوجه

موقعًا من الإعراب

  ،

،

أتذكركِ

لأنني ما زلتُ

أذكر ملامحكِ جيدًا

لقد حذفتها

من بين ملفات حاسوبي

ولكنني أبدًا

لم أحذفها من بين ملفات عقلي

أحاول أن أتناساها ,, أن أهملها

أحاول أن أمارس الجرأة

و لو لمرة واحدة

في حياتي التي اكتظت بالخجل والخوف

فأقوم بمحوها لكي تنتهي مُعاناتي الليلية

أحاول وأحاول

وفي كل مرة

أدرك أكثر

أنني لن أستطيع محوها أبدًا

  ،

،

أتذكركِ

فيتسلل الدمع خارجًا من جوف المآقي

لكي يتنفس النور خارجي

وقد أصبح الظلام

هو حاكمي المُستبد . .

  ،

،

أتذكركِ

وحرفكِ الذي خاصمته منذ فترة

كي لا أراه يُكتبُ أمام غيري

فيفرح به

رغم أنه وفي واقع الأمر

لم يُكتب إلا من أجلي

فلا يتسبب إلا في حُزني

وفي شعوري بالخسارة

غادرته رغم عشقي له

وأعلمُ أنكِ ستكونين في حضرة حرفي

لكي تقرئيه كالعادة

وقد غرس الحنين براثنه في كُلِكِ

وأتساءل

كم كذبة ستكذبين

لكي تقنعيه أنكِ بالفعل قد قمتِ بنسياني

وكم كذبة سأكذب

لكي أقنعها ( نفسي ) بأنكِ لم تعودي لي ؟

،

،

أتذكركِ

وأتذكر أنني مازلت أحبك

للآن

كما أحببتُكِ أول مرة

مع فارق بسيط

وهو

أنني لم أعد حُرًا كسابق العهد

,
,

تقديري

مهدي سيد

10 تعليقاً

ماذا نُريد ؟

ماذا نُريد ؟

(1)

نُصفق حتى يرضى الآخر
ونرفعه فوق أكف المديح
لنُرضي غروره
ونكسب بقاءه حيث نُريد
فماذا نُريد ؟
نُريد البقاء
في عزِ الخـواء
فما قيمة البشر الأثرياء
إذا كانت الأموال تنبع من حرام ؟

(2)

أتنفع الأعمى
نظارة لحفظ البصر؟
لا .. لن يستفيد
فماذا يريد ؟
يُريد أُناس به يشعرون
إلى بر خير به يذهبون
يُريد النجاة
ونحن عن كل ما يُريد .. بعيد
فماذا نُريد ؟

(3)

أغرتنا دُنيانا ؟
أم أنها الكراسي
والسلطات و المناصب
أم أنه الوعيد ؟
لكل من يُخالف أو يُنادي بالجديد
أو حتى بالأصول والتقليد
أم أنها الأنا ؟
وقد تجذرت المبادئ منها في الصدور
وعبرت المعاني عنها
في ثرى السطور
ولم يعد يكفي تسلق الأكتاف
للصعودوالبقاء
فبعد الصعود تُداس الرؤوس
وتُطمس معالم الأشخاص والبلاد
يُذل الأكارم بثوبِ العبيد
وتُمحى الذكريات
بعد تشذيب النفوس
وتهميش القيم ومن يحاول أن يعود
إلى الأمجاد يومًا
أو يُصادق أمنيات
بأن نكون بشرًا
لا أقل ولا يزيد
فماذا نُريد ؟

4 تعليقاً

المواضيع السابقة »